محمد أبو زهرة
1326
زهرة التفاسير
أي استطاع بأي سبيل للوصول إلى الحج ، فليست الاستطاعة الموجبة للحج هي الاستطاعة الواسعة المعنى التي لا تكون إلا للأغنياء ، ولذا فسرها الفقهاء بالقدرة البدنية ، والقدرة على الزاد والراحلة أي ما يمكن أن يصل به ؛ ولا بد أن يكون ذلك فاضلا عن حاجاته الأصلية وعمن يقوتهم ، فإن ترك من يقوتهم بلا مال إثم ، فقد قال عليه الصلاة والسلام : « كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت » « 1 » . والفرض لا يؤدى بالإثم . ومن استطاعة المرأة ألا تكون ذات أطفال صغار يخشى عليهم الضيعة إن تركت حضانتهم ولا حاضن لهم سواها ، كما أن من استطاعتها أن يكون معها زوجها أو ذو رحم محرم منها . والحج عند الأكثرين فرض على التراخي ، ولكن المالكية يقررون أنه لا يسع من تجاوز الستين أن يؤخر عن قدرة ، وإن كان أصل التراخي ثابتا لصريح الآثار الواردة في ذلك ، والحج فرض مرة واحدة في العمر ، والحج هو مؤتمر الإسلام الأكبر ، وقد بيناه مرارا . وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ في معنى هذا النص اتجاهان ؛ أحدهما : أن يكون الكلام في تارك الحج ويكون المعنى من ترك الحج جاحدا له منكرا لفرضيته فقد كفر وأضاع مصلحة نفسه ومصلحة أمته بالإجماع في المؤتمر الأكبر ؛ واللّه سبحانه غنى عن العالمين أي عن الناس أجمعين . فهم محتاجون إليه ، وهو غير محتاج إليهم . والاتجاه الثاني : أن يكون الكلام متجها إلى اليهود الذين أنكروا فضل البيت وقدمه وبناء إبراهيم له . ويكون المعنى : ومن أنكر تلك الحقيقة الثابتة وجحدها بعد البينات فقد أركس « 2 » نفسه واللّه سبحانه غنى عن العالمين . اللهم اهدنا إلى الحق ووفقنا للإيمان به .
--> ( 1 ) رواه بهذا اللفظ أبو داود : الزكاة - في صلة الرحم ( 1442 ) ، وأحمد : مسند المكثرين من الصحابة ( 6207 ) . ( 2 ) أركس الشيء : رده مقلوبا . ومنه قوله تعالى : وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أي ردهم إلى كفرهم .